أحلام الحرية على حافة اليأس

إسرا صالح

تدوينة

7 ديسمبر 2019

لم أكن أعلم أن ما أهدتني به ثورة يناير من أحلام بالحرية ووعي بواقع النساء ومعاركهن الضارية، وميلاد تلك الأسئلة حول مواقعنا في المجال العام الذي فتح لنا ذراعيه على اتساعهما، سينتزعه الواقع الخاص بالسياق الحالي، في ظل تضييق الخناق على العمل العام وكل محاولات خلق فرص للتغيير.

فقد كنت إحدى هؤلاء النساء اللاتي ساعدتهن الثورة على إدراك انحيازاتهن، وتوفير حيز لهن في المجال العام الذي اخترت أن أبدأ نشاطي فيه بالدفاع عن حقوق الإنسان من خلال الصحافة وأدوات الاتصال، وهو المجال الذي عملت على تطوير خبرتي به عبر السنوات الماضية إيمانا بهذا الدور الذي تلعبه الصحافة في تغيير المجتمعات، إضافة إلى محاولة إيجاد منبر لأصوات النساء للتعبير عن أنفسهن ومناقشة قضاياهن المختلفة.

حسنا، لنحكي القصة من البداية لفتاة تخرجت من كلية الصيدلة في جامعة القاهرة بتقدير مرتفع يؤهلها أن تتهافت عليها كبريات الصيدليات وشركات الدواء حتى استلمت عملها في نفس اليوم الذي حصلت فيه على شهادة تخرجها من الجامعة، وبدأت مسار الحياة "الناجحة " - بمفاهيم المجتمع الذي نعيش فيه - نحو مستقبل مشرق وأكثر استقرارا، إلا أنه لم يكن كذلك – بمفاهيمي الشخصية - لأدرك فجأة أن ثمة طريق آخرعلي أن أسلكه حتى لو اعتبره البعض ضربا من "الجنون".

لخمس سنوات كاملة عملت في المجال الذي درسته تنقلت خلالها بين كبريات ما يعرف بـ"السلاسل الصيدلية" كمديرة لفروعها، أتقاضى راتبي في نهاية الشهر وتمر الأيام والسنوات الخمس وأنا لا أشعر أنني في مكاني الصحيح، لكن في الوقت نفسه لا أعرف ما هو هذا "المكان الصحيح"، حتى جاءت ثورة يناير لتضعني أمام شغفي بالعمل العام، وتجسد لي أحلامي بتغيير الواقع الذي يهمش النساء وقضاياهن، لآخر أقل عنفا وأكثر إيمانا بأدوراهن على كافة الأصعدة، خاصة مع مجئ دستور 2014 بوعود بمستقبل أكثر إنصافا للنساء ( على الأقل هذا ما حلمنا به وقتها).

وفر لي العمل الصحفي منبرا للتعبير ليس فقط عن نفسي وعن أبناء وبنات جيلي، بل أيضا للتواصل مع المجتمع في حالة مستمرة من أخذ وعطاء المعرفة والوعي، حينما اخترت أن أتخصص في الصحافة المعنية بحقوق الإنسان أو ما يعرف بـ"الصحافة الحقوقية" وهي ما وجدت فيها شغفي أكثر من أي شئ، ومن ثم تركز اهتمامي على كيفية تسخير الأدوات الصحفية ووسائل الاتصال المتنوعة لدعم الحقوق والحريات وعلى رأسها قضايا النساء، وفتح مجال آمن للنساء لهن من أجل المشاركة والتعبير بحرية وكرامة.

انطلاقا من مشاهدتي الشخصية وعملي في أكثر من وسيلة إعلامية، أدركت أننا في حاجة إلى نوع آخر من الصحافة يعبر عن واقع النساء الحقيقي بدلا من ذلك الذي يتبنى الصور النمطية لهن وفق ما يتماشى مع الاستحقاق الأبوي في مجتمع لا يرى النساء خارج أدوار محددة.

وحين تأكدت تماما أن هذا هو المسار الذي أرغب في الاستمرار فيه، خضت معركتي الخاصة – التي لم تكن سهلة على الإطلاق- للحصول على منحة لدراسة الماجستير في مجال الصحافة بالأردن، سافرت بعدها لعام ونصف تقريبا تحملت فيها أعباء لم يخففها عني سوى الحلم الذي بات يتجسد أمامي شيئا فشيئا لتطوير صحافة نسوية تجد فيها النساء مساحة للتعبير والمشاركة.

كان قراري أن أعود بعدها إلى مصر لاستكمال ما قد بدأته قبل السفر وتطويره على أسس علمية أكثر صلابة زودتني بها الدراسة، لكن ذلك الحماس ما لبث أن انطفأ عند عودتي حين رأيت المجال العام الذي أخذت موقعي فيه يختنق حتى لم يعد يستوعب أحلامنا بالعمل والتغيير. عرفت أن قضيتي الشخصية التي حاربت لأجلها واعتبرتها جزءا من مسئوليتي المجتمعية هي تحديدا ما باتت ترفضه الدولة وتسخّر كل طاقتها لمحاربته وإغلاق كل منافذه، بل والانتقام من كل حلفائه.

أتممت منذ أيام العام الثاني لعودتي إلى أرض "الوطن" الذي ظل يغلق في وجهي جميع أبوابه وتكللت بالفشل كل محاولاتي لإيجاد فرصة حقيقية لإحداث تغيير، وبات المجال العام الذي اخترته  كأحد نساء هذا البلد - الذي يكفل لي " نظريا" هذه المساحة للمشاركة في دستوره وقوانينه واستراتيجياته الوطنية التي يتغنى بها مسئوليه في الخطابات والمحافل الدولية - محرما علينا، حتى خرج علينا مفتي الجمهورية قبل أيام يبلغنا أن "الشأن العام لم يعد مجالا لأي إنسان التحدث فيه".

الجدير بالذكر أن الطريق لم يكن مفروشا لنا نحن النساء بالورود، فنحن نخوض معارك أزلية مع السلطة بكل أشكالها، فيمكن الجزم بأن جميع النساء اللواتي اخترن العمل في المجال العام كانت لهن دائما معاركهن الخاصة وتعرضن لأشكال مختلفة من الانتهاكات في محاولة للتمكن من فرص وجودهن، والتي باتت غير متاحة في ظل تضييق الخناق علينا.

وفي ظل مشاعر ضياع الأحلام والفرص، تصاحبنا أيضا مشاعر انعدام الأمان وسط حملات الاختطاف والاعتقال الواسعة التي استهدفت أغلب العاملين والعاملات بالمجال العام والتي لم يعد أي منا بمأمن عنها، وبالطبع للنساء دائما نصيبهن الخاص من العنف والاستهداف، فأصبح هناك مدافعات وناشطات يقبعن الآن خلف أسوار السجون وفي مقار الاحتجاز على خلفية عملهن السياسي ونشاطهن المجتمعي، لا نعلم عن مستقبلهن شيئا أو من منا ستنضم إليهن في الأيام القادمة.

لا أدري حقا إن كان ذلك عقابا جماعيا لنا لأننا حلمنا يوما بالتغيير، أو ما هو الشئ الذي ندفع ثمنه تحديدا الآن من حريتنا وحقنا في حياة كريمة؟ ومتى سينتهي هذا الانتقام الأرعن الذي يستهدف كل من اختار العمل العام نشاطا له؟  وأخيرا، أين الأمان في ذلك الوطن الذي اخترت أن أعود لأشغل موقعي فيه وأقوم بدوري في خدمته؟

في الحقيقة وفي اللحظة الراهنة تماما أشعر بأن أحلامي نحو الحرية قد اجتثت من جذورها وسيطر عليّ العجز التام وابتلعني اليأس حتى فقدت الرؤية التامة لأي غد قادم، ولا أعلم إن كان هذا الشعور مؤقتا وسيزول في المستقبل القريب – أو حتى البعيد- أم أنه دائم وهذه هي النهاية لي ولأي شخص سولت له نفسه الحلم يوما بمستقبل أفضل، على أرض هذا المكان المخيف المسمى بـ"الوطن".

رابط دائمhttp://www.nazra.org/node/668